Reader

BASEMENT X

ميميك الأبالاش





الجزء الأول: صمت الوادي

لم يكن الحزن انكساراً نظيفاً، بل تشظياً بطيئاً، كالصقيع الذي يشقّ شاهد قبرٍ غرانيتي من الداخل. حمل إلياس ثورن هذا التصدّع الداخلي معه إلى الحضن الأخضر العميق لجبال الأبالاش. كان قد استبدل ضجيج حياته القديمة – ضوضاء زواج ينهار، طنين مهنة محطمة، الصدى المجوف لغرفة طفل تُركت دون مساس – بصمتٍ تصوّره شافياً. كان الكوخ، الذي اشتراه دون رؤية بآخر ما تبقى من ميراثه، ليكون شرنقته.

لم يكن كوخاً بالمعنى الرومانسي. كان بنايةً هزيلةً من غرفتين، من خشبٍ رماديٍ غير مُصبوغ، منحنية على منحدر مكانٍ يُدعى “وادي الجذر الأسود”. الجبال هنا لم تكن مهيبة؛ بل كانت قاهرة. احتشدت في السماء، تموجات لا نهاية لها من الأزرق الداكن والأخضر الفحمي، تبدو كأنها تمتص الضوء والصوت بنفس النهم. كان للهواء نفسه وزن وطعم – رائحة عذبة متعفنة لتراب رطب، حجر مبلل، ولمحة حادة كالحديد لنبع بعيد. كانت رائحة الأشياء التي تتحلل باستمرار إلى أشياء أخرى.

نحتت أيام إلياس لنفسها طقساً يائساً صامتاً. كان ينهض مع الفجر، حين يستلقي الضباب في الوادي كبطانية مُبتلة، خانقةً قواعد الحور والبلوط. يشرب قهوةً مرةً من وعاء قصدير مينائي، يمتزج بخاره بأنفاسه في الهواء القشب. يشق الحطب، صوت “الطق” للفأس على البلوط المعتق يشكل علامة ترقيم مفاجئة، تكاد تكون عنيفة، في السكون. كانت ساعات الظهيرة للمشي، أو ما كان يدعوه مشياً. كان أكثر اختراقاً بطيئاً مقصوداً للعتمة الخضراء للغابة التي تضغط من كل الجهات.

لم تكن الغابة صامتةً حقاً، كما تعلّم. لكن أصواتها كانت أصوات غياب. صرير شجرة “هيملوك” ضخمة عتيقة، تتمايل في ريح لا يستطيع الشعور بها على الأرض. حفيفٌ ورقيٌّ لثعبان نحاسي ينزلق خلال فراش من أوراق العام الماضي. صوت “الطبطبة” المتقطع الثقيل لورقة رودوديندرون مبللة تسقط على أرض الغابة. لكن لم تكن هناك أغنيات طيور. لاحظ هذا في يومه الثالث، إدراكاً تسلل كالمياه الجوفية. لا عصافير، لا غربان، لا صرخة بعيدة لصقر. كان فراغاً طيرياً، والخلاء الذي تركه امتلأ بنوعية من الإصغاء، كما لو أن الأشجار نفسها تحبس أنفاسها.

كانت ذكراه رفيقه الوحيد، وكانت رفيقاً خائناً. كانت تثير له ضحكة كلير، التي كانت تتحول الآن، في منتصف الفكرة، إلى آخر زفيرة منهكة أطلقها على عتبة دارهما. كانت تثير له يد ليام الصغيرة اللزجة في يده، التي كانت تذوب في ذكرى مُقشعرة لدرابزين المستشفى البلاستيكي. في المدينة، كان يستطيع الهرب من هذه الأشباح بالضوضاء. هنا، كانت تجلس معه على طاولته الخشنة، حضورها أكثر تجسيداً من الفاصولياء المعلبة التي كان يأكلها على العشاء.

كان الحادث الأول بهذه الخفة حتى أنه نفاه كخدعة للعقل، نتاج العزلة.

كان عند كومة الحطب، قميصه ملتصقاً بظهره بعرق بارد، حين سمع أمه تناديه باسمه. ليست أمه كما كانت في النهاية – هزيلة ومتذمرة – بل صوتها من طفولته، دافئاً وسائلاً، كما كانت تناديه ليعود من اللعب. “إلياس… حان وقت الدخول.” أتى من الغرب، أسفل الوادي، منسوجاً في النسيم الخافت. انتصب، كتلة في حلقه، قلبه طبل مؤلم. ووقف لعشر دقائق، يُصغي. لم يكن هناك سوى تنهدة الريح عبر مليون ورقة. هلوسة سمعية أثارها الحزن، قال لنفسه. كان الجبل مجرد غرفة صدى لندماته.

الحادث الثاني كان بصرياً.

عائداً من مشية في الغسق، والعالم مغتسل بضوء أرجواني كالكدمة، رأى ظله نفسه ممتداً طويلاً نحيفاً أمامه بوهج الفانوس. لكن بينما مرّ بكتلة كثيفة بشكل خاص من نبات “الغار الجبلي”، بدا ذراع ظله – الذي يمسك الفأس – كأنه ينفصل لجزء من الثانية، ينتفخ شكله إلى شيء آخر. شيءٌ بأصابع كثيرة جداً، أو ربما مجسّات، أشارت نحو الكتلة قبل أن تنقض عائدةً إلى الصورة الظلّية البشرية المألوفة. توقف ميتاً، يتجمد دمه في عروقه. رفع الفانوس، يرتجف ضوءه الأصفر. كانت أوراق الغار داكنة، لامعة، وساكنة. “أنت تفقد صوابك، ثورن،” همس، مُبتلعاً الصوت بالظلام المتجمع.

ثم جاءت ليلة الأصوات على الريح.

تدحرجت عاصفة، ليس بصواعق عنيفة، بل بضغط عميق جهير ومطرٍ يهمس. استلقى إلياس على سريره القماشي، يُصغي للقطرات تنقر على سقف الألواح الخشبية. ثم، تحت المطر، سمعها. أجزاء محادثة، متداخلة، يستحيل تحديد مصدرها.

مقتطف من صوت كلير، غاضباً: “—أنت لا تُصغي أبداً—” انفجار من ضحكة ليام الطفولية. النبرة الغليظة لوالده، الميت منذ زمن: “—يحتاج الولد أن يقسو—” صوته هو نفسه، من مشادة منسية: “—لا أستطيع تحمّل المزيد من هذا—”

دانت حول الكوخ، تضغط على النوافذ، تتسرب تحت الباب. غير عالية، لكن حميمة، كما لو أن المتحدثين على الجانب الآخر من الجذوع مباشرة. سحب إلياس البطانية الخشنة فوق رأسه، يطبق يديه على أذنيه. شعر برعب غريزي، ليس من شيء، بل من الانتهاك. كان هذا الصمت العتيق العميق قد خُدش حتى اللحم الحي، ومن الجرح ينضح صوت كل إخفاقاته.

لم ينم. في أول ضوء رمادي، غادر الكوخ، محتاجاً أن يرى العالم مُستعاداً لواقعيته البسيطة الصلبة. كان الضباب أكثر كثافة من المعتاد، زفيرة حليبية من الأرض حوّلت الغابة إلى خطوط شبحية. كان الهواء ساكناً بشكل خارق، والمطر قد توقف. وكان الصمت قد عاد، لكنه مختلف الآن. كان صمتاً محبوساً. صمت انتظار.

مشى إلى حافة المنطقة حيث تذوب ملكيته في الغابة المتوحشة. هناك، بين جذع بلوط شقّته الصاعقة وصخرة مغطاة بالطحلب، رآه.

شخصاً.

كان بالطول والشكل التقريبيين لرجل، لكن سطحه كان خاطئاً. بدا كما لو أنه نُسج من أرض الغابة نفسها – من طين رطب، من لحاء ممزق، من الخيوط الشاحبة للفطريات، ومن شيء داكن يلمع كالعفن. كان منحنياً، غير مكتمل. لكن بينما كان إلياس يشاهد، مشلولاً، بدأ يتحرك.

رفع رأسه، كتلة من مادة مرقشة. حيث يجب أن يكون وجه، كانت المادة تدور وتنكمش، ملامح تحاول أن تتجمع وتذوب كالشمع فوق لهب. انفتح شق فم، أُغلق، انفتح مرة أخرى. ومنه خرج صوت حطّم آخر بقايا صواب إلياس: جوقة فوضوية رطبة من كل صوت سمعه على الريح، مُمزجة الآن في نطق واحد يائس مُقرر.

تحدث بحنان كلير، حيرة ليام، استياء والده، يأس نفسه، كلها مضفورة في جملة واحدة تقشعر لها الأرواح:

“نحن… باردون… جداً… في… التراب… إلياس…”

ثم أخذ الشيء – الكيان – خطوة مرتجفة إلى الأمام. كانت الحركة خاطئة تماماً، حركة متشنجة كدُمية، كما لو أنه يتعلم ميكانيكا الأوتار والمفاصل وهو يمضي. ووجهه… استقر أخيراً. تباطأت ملامحه الذائبة في اضطرابها، محققة تقريباً رهيباً مألوفاً. كان وجهه هو نفسه، لكن ألين، أصغر. كان وجه ليام، كما قد يبدو في الخامسة، لكن مُصاغاً من قذر الغابة ومسكوناً بفراغ قديم جائع. كانت العينان هما الأسوأ: بركتان عميقتان من السواد المطلق، بدون بؤبؤ أو بياض، لكنهما مركّزتان عليه بشدة عارمة عارفة.

مدّ طرفاً لم يكن ذراعاً ولا غصناً، بل خليطاً فظّاً من كليهما. انفلت صوت من حلق إلياس، أنين ضاع في الضباب الخانق. مال الشيء برأسه المسروق الطفولي، ومن فمه غير المتطابق، تحدث مرة أخرى، هذه المرة بتكرار تام لا عيب فيه لصوت ابنه الميت، صوت قاتل لسنوات ليتذكره بوضوح وها هو سيطارد شبحه حتى آخر نفس:

“بابا؟ لماذا تركتني وحيداً؟”

ابيضّت حواف العالم. لم يهرب إلياس ثورن. لقد انكسر ببساطة. سقط للخلف في فراش الأوراق الرطب، صرخة صامتة محبوسة في صدره، بينما أخذ الكيان، مرتدياً ابتسامة ابنه كقناع غير ملائم، خطوة أخرى خارج الأشجار وداخل منطقته.


الجزء الثاني: الابن المصوغ من طين

أصبح الزمن شيئاً لزجاً غير خطي. الضوء الرمادي، الضباب، البشاعة المرتدية ابتسامة طفله – كلها وُجدت في لوحة كابوسية معلقة. عقله، ذلك الوعاء الهش المتصدّع أصلاً بالحزن، انشقّ أخيراً. لم يهرب الفكر العقلاني؛ بل التُهم، واستُبدل بجمود غريزي مرتجف. كان فريسة، متجمداً في ظل المفترس.

لم ينقضّ الكيان. بل درس.

مال رأسه – ذلك النحت البشع لتراب رطب، أغصان، وشيء مزرقّ كاللحم القديم – إلى الجانب بصوت كجلد رطب يتمدد. لم يكن وجه ليام قناعاً، بل انطباعاً بشعاً، كما لو أن المخلوق فهم مفهوم ملامح طفل من ذكرى واحدة ضبابية بالحزن وقولب مادته لتقريبٍ مضطرب مقلق. شربت عيناه السوداويان الخاليتان من البؤبؤ شكل إلياس المنبطح. لم تكونا نافذتين إلى روح، بل حفرتين، هاويتين بدتا تسحبان النور نفسه من الهواء حولهما.

أخذ خطوة أخرى. لم يُحدث قدمه صوتاً على فراش الأوراق المتحللة. الطرف الذي مدّه خفض الآن، وارتمى المخلوق قرفصاءً، محضراً هيئته المروعة لمستوى وجه إلياس نفسه. غسلته رائحة – ليست العفن النظيف للغابة، بل الرائحة الفاتنة الكثيفة الحلوة لقبرٍ فُتح حديثاً، لترابٍ مُقلب ونخاعٍ فاسد.

تحرك فمه، شق عريض جداً في اللحم الطيني، مرة أخرى. لكن الصوت الذي انبثق لم يعد النسخة التامة الثاقبة لصوت ليام. كان متدهوراً، تسجيل فونوغراف مشوّهاً. كان صوت ليام مُرشّحاً عبر فمٍ مملوءٍ تراباً، مُطبّقاً بغرغرة نبع تحت أرضي وخشخشة أجنحة خنافس جافة.

“بابا… ب-بارد. الـ-الظلام… لزج.”

انفلت صوت أخيراً من حلق إلياس – أنين مختنق حيواني. بدا أن رد الفعل هذا أسعد الكيان. مرّت تموجة خلال هيئته، رعشة إعادة تشكيل. تلاشت ملامح ليام الناعمة، تشوّشت، نزفت بعيداً، مُعاد تشكيلها إلى مجموعة مألوفة أخرى: الفك الحاد أكثر، العينان الضيّقتان، وضع الفم المكتئب باستمرار. كان والده، آرثر ثورن، لكن كما رآه خلال ضباب خوف الطفولة. الصوت الذي انبثق كان دويّاً حصوياً، مُخترقاً بنفس الفساد الرطب المنتشر.

“انهض، يا ولد. أنت مستلقي هناك ككيس دقيق. أهذا ما ربّيت؟”

اشتعلت غريزة، أعمق من الفكر. حياة من الخوف أمام تلك النبرة، من تقويم عموده الفقري تحت ذلك الحكم، أثارت مساراً عصبياً لم تلمسه الرعب. تراجع إلياس للخلف، يداه وكعباه يحفران خنادق في الدبال، واضعاً ثلاثة أقدام ثمينة بينه وبين الشيء.

لم يطارده الكيان مرتدياً وجه والده. مال رأسه الجديد، ورأى إلياس ذكاءً مرعباً يعمل في ذلك اللحم السائل المُعاد تشكيله. كان يتعلم. كان يختبر المنبهات والاستجابة. خوفه كان بيانات. ارتداده كان مقياساً قيّماً.

تغيّر مرة أخرى.

كان هذا الانتقال أبطأ، أكثر حميمية مؤلمة. انتفخت طينته في صدره وتشكّلت من جديد. ذابت الخطوط القاسية لآرثر ثورن، تدفقت كحجر رملي رطب إلى منحنيات ألين. اقتراح لسترة يتذكرها إلياس، لون الخزامى الباهت. تشكّل شعر بطول الكتفين، مشوب بالرمادي، من خيوط دقيقة كالجذور. أصبح الوجه خريطة حزينة محبة للتجاعيد حول العينين – أمه، إليانور، في آخر سنة من حياتها، حين جعلها السرطان شبحاً لكن صوتها بقي ملاذاً.

الصوت، عندما جاء، كان تحفة تزوير قاسية. كان همسها، الهزيلة رقيقة كالورق، مليئة بحبٍّ عميق لدرجة كان دائماً وزناً.

“إيلي… أنت بعيد جداً عن البيت. هذا المكان… إنه في الحجارة. إنه يتذكر. دعه يتذكر عنك. أهكذا أسهل. فقط… دع نفسك.”

كانت الكلمات مسكّناً نفسياً. صدّقت الرغبة السرية التي ربّاها منذ وصوله هنا: أن يتوقف ببساطة، أن يدع الصمت الأخضر يمتصه في تاريخه غير المكترث. شعر بارتخاء عضلاته، الإرادة للقتال تتسرب منه كالدم من جرح. تتابعت أنفاسه، ليس في نشيج، بل في تنهيدة استسلام.

رآه الكيان. مرّ ارتعاش لما قد يكون انتصاراً خلال هيئته. مدّ يده – الآن نسخة دقيقة مؤلمة بتفاصيل مؤلمة ليد أمه، حتى خاتم الزواج والعظام البارزة – راحة مرفوعة، في عرض. دعوة.

“تعال معي،” همس، رائحة العفن الحلوة مخلوطة الآن برائحة شبحية لبودرة اللافندر التي تستخدمها. “الوادي عميق. الهدوء كامل. يمكنك النوم، إيلي. لا مزيد من الأحلام.”

ارتجفت يد إلياس في الأوراق، في منتصف الطريق للارتفاع لمقابلة تلك الدعوة الشبحية. تشوّشت رؤيته، امتزج الضباب والذاكرة. كان في العاشرة، مريضاً بالحمى، ويدها الباردة على جبينه. أراد ذلك. يا إلهي، كم أراد ذلك النسيان.

ثم، ذكرى مضادة، حادة مفاجئة كشظية: ولادة ليام. القبضة الصادمة الشرسة ليد ابنه الصغيرة المثالية حول إصبعه السبابة. قبضة حياة، ارتباط صادم نابض بالحياة. ليس تحرّراً، بل رباط.

ركّزت عيناه، الزجاجيتان بالاستسلام، على يد الكيان الممدودة. عن قرب، تشققت المثالية. كانت “البشرة” فسيفساء من جراثيم الطحالب وهيكل الحشرات. كانت الأظافر شظايا من صدفة الأبلمية، غير ملائمة وخاطئة. كان خاتم الزواج دائرة ملتوية من جذر شاحب.

كانت كذبة. كذبة جميلة مؤلمة للقلب مفترسة.

انفلت صوت غليظ خام من صدر إلياس – ليس صرخة، بل زئير نفي. لم يأخذ اليد. عوضاً عن ذلك، انقضّ إلى الجانب، يده تُغلق ليس حول لحم، بل حول قبضة الفأس الباردة الصلبة التي ألقاها. كانت الحركة يائسة، خرقاء.

ارتدّ الكيان. ليس خوفاً، بل فيما بدا فضولاً مفاجئاً. ذاب وجه إليانور إلى دوامة مضطربة من طين ومادة مجزّأة. عادت الأصوات المتداخلة، عاصفة من أصوات مسروقة:

“—لماذا—لا—تحب—بابا—انتظر—عد—بارد جداً—!”

ارتفع إلى طوله الكامل، هيئته تفقد التحديد، تصبح عموداً متحوّلاً غير مستقر من حطام الغابة ونية خبيثة. لم يهاجم. بدأ يتبدد. لا يختفي، بل ينحل. بدت مادته تنزف للخلف إلى المشهد – إلى الطحالب على الصخرة، الضباب الملتصق بلحاء البلوط، التراب الداكن نفسه. خلال ثوان، اختفى، تاركاً فقط انطباع حضوره: برد أعمق في الهواء، الرائحة الطاغية للتراب المقلوب، ورقعة من أوراق الغابة تبدو مكشوطة بشكل خفي، كما لو أن كل حشرة، كل فطر، كل أونصة من الحيوية قد سُحبت.

ركع إلياس، الفأس ممسوكاً إلى صدره، ينتحب شهقات عظيمة متقطعة من هواء يحرق رئتيه. لم يكن قد انتصر. كان ببساطة قد رفض عرضاً. لم يكن الشيء قد ذهب. لقد عاد إلى الوسط الذي جاء منه. كان الجبل قد قوّض عضلته، ورأى أسنانه.

ترنّح عائداً إلى الكوخ، كل ظل تهديد متجمّع، كل حفيف صوت نصف مُشكّل. أغلق الباب، رغم علمه بالعبث. لم يكن الكيان بحاجة للأبواب. كان في تنهيدة الريح، نمط العروق في طاولته الصنوبرية، ذكرى دمائه نفسه في أذنيه.

في تلك الليلة، بينما فضّ القمر البارد الوادي، عادت الأصوات. لم تصرخ أو تنوح. همست، تحت عتبة السمع تماماً، من الجدران نفسها للكوخ.

“نعرف شكلك الآن، إلياس…” جاءت جوقة همسات، في مزيج من كل أشباحه. “لدينا طينك. سنصنع نسخة أفضل منك. نسخة تنتمي هنا. نسخة هادئة منك.”

جلس في الظلام، ظهره على الباب، الفأس على ركبتيه. لم يعد رجلاً يلتمس العزاء. كان حيواناً محشوراً في قفص من حجر جائع عتيق. وخارجاً، كان الصمت العميق للوادي ينهار، يتعلم التحدث بنبرات حياته المدمرة المسروقة.


الجزء الثالث: المرآة الصامتة

لم تكن الأصوات في الجدران هجوماً؛ بل كانت هضماً. همسة ناعمة مستمرة لاعترافات نصف مسموعة، ضحك، ومشاجرات – الرواسب الصوتية لحياته – تتسرب من الفجوات بين الجذوع. ضغط إلياس يديه على أذنيه، لكن الصوت لم يكن خارجياً. نبض بتناغم مع خفقات قلبه المذعور، إيقاع طفيلي. كانت قبضة الفأس، الزلقة من عرقه، الدليل الوحيد على واقع خارج عقله المتداعي.

لم يأت الفجر بضوء، بل بظلمة متعمّقة للقتمة الداخلية للكوخ. بدأ ظل أخضر يلطّخ الخشب من الخارج للداخل. يتطلع من خلال شق في مصراع النافذة، احتبس أنفاس إلياس. لم تعد الغابة على مسافة مهذبة. بين عشية وضحاها، تعلّقت حبال بأصابعها من نبات العنب البري بوحشية على السقف، تلتف فوق الحواف بنمو عضلي قصدي. انتشر الطحلب، بلون أخضر مصفر نابض بالحياة ومريض، على الجدار الشمالي كمدّ صاعد، تقدمه مرئي للعين المجردة. ضغط نبات الغار الجبلي بأوراقه الجلدية على زجاج النافذة، لا يتمايل في ريح، بل يدفع. كان الكوخ يُبتلع.

والواقف عند حافة المنطقة، حيث يذوب خط الأشجار في ضباب بلا شكل، كان شخصاً.

كان هو نفسه.

كان يرتدي قميصه الصوفي البالي، بنطاله الملطّخ بالطين، وضعيته المنحنية الخاصة باليأس. كانت التفاصيل واقعية فوتوغرافياً، دقة لم يمتلكها الأشكال السابقة. لم يكن هذا تقريباً من طين وعفن. كان هذا مسودة نهائية متقنة لنحّات. فقط الوجه بقي غير مثبت قليلاً، الملامح تنزلق في ذوبان بطيء لزج بين وجهه هو نفسه ووجوه والده، ابنه، زوجته – مشهد من حزنه، متّحداً أخيراً في كيان واحد مرعب. كانت عيناه بركتين عميقتين من السواد السحيق.

كان يمسك فأساً. نسخة تامة من فأس إلياس نفسه.

“أنت صاخب،” تحدث الشيء، وصوته هو نفس باريتون إلياس، مُجرّداً من الدفء، مُردّداً كما من قعر بئر. “تخدش وتصرخ وتشق الصمت. سأكون أهدأ. سأكون… ملائماً.”

تحطّم شلل إلياس إلى هذيان بقاء. لن يموت في هذا القبر الأخضر. فتح باب الكوخ بعنف، الفأس مرفوع، صرخة نفي محض تنفلت من حلقه. انقضّ عبر المنطقة، هجوم خطي غريزي ضد عدو غير خطي.

لم يتحرك الكيان. شاهده يأتي، رأسه يميل بنفس الفضول المرعب.

على بعد ثلاث خطوات من الاصطدام، غاصت قدم إلياس خلال أرض الغابة. ليس في حفرة، بل في الأرض نفسها، التي أصبحت ناعمة مسامية كالإسفنجة. سقط للأمام، الفأس يطير من قبضته. لم تشعر الأرض كتراب؛ بل شعرت كلبّ بارد لزج. حاول سحب رجله، لكن الدبال أمسكه بألف خيط دقيق ليفي – شعيرات جذرية رقيقة كالشعيرات الدموية، تخترق بنطاله، تعضّ جلده. كانت أرض الغابة مستيقظة.

سار نسخة-إلياس للأمام، خطواته لا تترك أثراً على نفس الأرض الجائعة. توقف بجانبه، ينظر للأسفل. استقر وجهه أخيراً، مُقفلاً في نسخة متقنة هادئة من إلياس ثورن. فقط العينان بقيتا خاطئتين – نوافذ على ليل عتيق بلا نجوم.

“تقاتل الضياع،” قال، جاثياً. لمست يده، الباردة الناعمة كحجر النهر، جبهة إلياس. ومضة ذكرى، ليست له: رضا مظلم لا نهاية له، رقصة الحجر البطيئة تحت الضغط، النمو الصبور للجذور عبر آلاف السنين. كانت ذكرى الجبل. عُرضت هدية.

“دعني أحمل ضجيجك. ألمك. نفسك،” همس الكيان بفمه. “إنه شيء مُنهك أن تكون رجلاً.”

صارع إلياس، لكن الأرض كانت عند صدره الآن، جذب لطيف لا مردّ له. شعر بجذب مرعب مغرٍ للطاعة، أن يدع وعيه ينزف في عقل التلال الشاسع الصامت. أن يصبح جزءاً من الهمّ الخلفي للتحلل وإعادة النمو. سيكون سهلاً جداً.

ثم فعل الكيان شيئاً حاسماً. مدّ يده نحو الفأس الساقط. بينما أطبقت أصابعه على القبضة، ازدهر الخشب. براعم خضراء طازجة انبثقت من العروق، أوراق تتفتح في ثوان. صدئ رأس المعدن إلى قشرة هشة برتقالية أمام عينيه. كانت الأداة تُستعاد، تتحول من أداة شق إلى قطعة أثرية للغابة.

في تلك اللحظة، فهم إلياس الرعب الحقيقي. لم يكن الكيان سيقتله فقط. كان سيحل محله. سيمشي خارج هذه الجبال مرتدياً وجهه، نسخة أهدأ، أنسب، خاوية من التاريخ المضطرب الذي يجعله هو. وهو… سيصبح لا شيء. ليس شبحاً، ليس ذكرى. سيُفكّك، جوهره يُستخدم كمادة خام لهذا الشيء، وجوده يُمسح من الداخل للخارج.

“لا!” زمجر، آخر بقية من هويته تتكثف في الكلمة.

توقف عن مقاومة جذب الأرض. عوضاً عن ذلك، احتضنه. ركّز ليس على الهروب من الأرض، بل على صب نفسه فيها – ليس للاستسلام، بل لتلويث العرض. فكّر في حبه لليام، ليس كحزن نظيف، بل كجرح نازف صارخ. استذكر غضب كلير، الحار المبرّر. استحضر إخفاقاته هو نفسه، حقده التافه، ندمه الحامض – الضجيج الجميل القبيح الفوضوي لحياة عاشها. دفعها كلها للخارج، قيء نفسي، في التربة المتلقّية التي تحاول التهامه.

ارتعشت الغابة.

ارتعشت الخيوط الممسكة به. اسودّ الطحالب على جدار الكوخ، كما لو مرض. ترنّح الكيان فوقه خطوة للخلف، وجهه المثالي يترجرج. ظهر شرخ في خده، يُفرز ليس دماً، بل سائلاً صافياً كالنسغ.

“توقف،” أمر، صوته للمرة الأولى يحمل نوتة تنافر، خشخشة من تشويش. “هذا… تنافر. لا ينتمي.”

ضحك إلياس، صوتاً خاماً مكسوراً. “إنه أنا! ولا تستطيع تحمّله، أليس كذلك؟ تريد الشكل، لكن لا يمكنك تحمّل الصوت!”

مع تشتت الكيان، ارتخت قبضة الأرض بما يكفي. انتزع إلياس نفسه بحرية بصوت تمزق قماش وجلد. كان خاماً، ينزف، لكن مدفوعاً بفهم جديد مرعب. لا يستطيع قتله بفأس. يمكن فقط أن يُفسد سرقته المثالية.

لم يهرب نحو خط الأشجار. هرب نحو الكيان.

رفع الكيان الفأس المزهر الصدئ، لكن حركته كانت مشوّشة، توازنه محطم بتدفق المشاعر الفوضوي. انقضّ إليه إلياس. الاصطدام لم يكن بلحم، بل بشيء بارد كثيف، كطين مكبوس مُغلّف بلحاء. لفّ ذراعيه حوله، ليس للقتال، بل للاندماج.

ضغط وجهه على عنقه وتذكّر، بشدة حية غاضبة. ليس الذكريات المنتقاة الحزينة التي سُرقت، بل الذكريات التي لا تُطاق: ذعر المعدة المقلوبة لدفعة رهن مفقودة. الخزي اللاذع لكذبة علنية. الصمم المطبق في السيارة بعد الجنازة. الواقع القبيح الممتلئ بالمخاط للحزن البشري.

ثار الكيان. كان يتغيّر مرة أخرى، يذوب، غير قادر على حمل هذا التدفق السام الجديد للبيانات. تفور هيئته وتنتفخ، ملامح تنبثق وتنهار – عين طفل هنا، فم امرأة هناك، جوقة من أصوات مسروقة تصرخ في تنافر. كان يزيد عن طاقته.

“خُذها! أعدها!” صرخ بمئات النبرات المشظّاة.

“إنها لك،” أخذ إلياس نفساً، وعيه نفسه يبدأ بالاهتراء عند الحواف، ينزف في الدوامة. “أردت شكلي. خذها كلها.”

بدأ المخلوق ينحل بصدق. لم يتراجع إلى الأشجار. بل انفجر. موجة صدمة من أوراق رطبة، تراب داكن، أغصان محطّمة، وردود فعل نفسية انفجرت للخارج، طرقت إلياس أرضاً.

عندما انقشع الهواء، كان الشبيه قد ذهب. كانت المنطقة فوضى من حطام غابة متناثر. ترهّل الكوخ، الكروم الآن تخنق هيكله، الطحالب تحجبه تماماً. لم يعد مسكناً بشرياً.

لكن الانتصار كان رماداً. استلقى إلياس على ظهره، يلهث. شعر… برقّة. شفافية. كانت ألوان العالم باهتة، أصواتها بعيدة، كما لو أن لوحاً سميكاً من الزجاج يفصله الآن عن الواقع. نظر إلى يديه نفسه. الخدوش من الجذور كانت هناك، لكنها بدت كعلامات قديمة، ذكريات جروح. لم يشعر بألم. شعر… بهدوء.

كافح للوقوف. تحرّك جسده، لكن الإرادة خلفه شعرت بمقترضة، انعكاسية. اتسع فراغ عميق داخله حيث كان رعبه، حزنه، حبّه – نفسه – قد ذهب. أجبر الكيان على أخذها كلها، وبفعله ذلك، قد أفرغ نفسه.

ترنّح عبر الكوخ المدمّر، نزولاً في الطريق المتشابك نحو الطريق البلدي. كان عليه الخروج. كان عليه أن يرى وجهاً بشرياً آخر.

شقّ طريقه خلال خط الأشجار الأخير إلى الطريق الحصوي. كانت السماء رمادية باهتة غير مكترثة. على بعد مائة ياردة، كانت سيارة دورية شرطة تسير بخمول، ورجل بزي كاكي يتحدث إلى زوجين مسنّين في شاحنة صغيرة – جيران، ربما، قلقوا أخيراً.

رآه الشرطي. رفع يده، قال شيئاً للزوجين، وبدأ يمشي نحو إلياس، تعبيره ارتياح حذر.

فتح إلياس فمه لينادي، ليصرخ طالباً النجدة، ليشرح الرعب في الوادي.

ما انبثق من حلقه كان همسة جافة حفيفة، صوت ريح خلال أوراق ميتة. لا كلمات. فقط… هواء.

حاول مرة أخرى. لا شيء.

كان الشرطي أقرب الآن، وجهه يتحول للقلق. “إلياس ثورن؟ يا رب، يا رجل، هل أنت بخير؟ تبدو كأنك رأيت شبحاً.”

نظر إلياس خلف الشرطي، إلى انعكاسه في نافذة السيارة. الرجل الذي نظر إليه كان شاحباً، مجوّف العينين، مألوفاً لكن هادئاً بشكل غريب. رجل هادئ. رجل ملائم.

وفي الداخل، حيث يجب أن تكون أفكاره تعدو، لم يكن هناك سوى صمت عميق رنّان، صمت الحجارة، والجذور، والأشياء التي تنتظر. لم يهرب من الوادي. لقد أصبح منتجه النهائي المثالي. قابل نظرة الشرطي، وبابتسامة لطيفة مطمئنة لم تلمس عينيه الجديدتين الفارغتين، أعطى إيماءة بطيئة مقصودة.

خلفه، عميقاً في حلق وادي الجذر الأسود، تنهدت الريح عبر الأشجار، لا تحمل أصواتاً، لا أصداء ألم – فقط هدوء نظيف كامل مطلق. كان الجبل قد أنهى عمله. لقد صنع نسخة تفي بالغرض. والأصل؟ الأصل أصبح الآن جزءاً من الصمت، أحفورة من المشاعر في الحجر العتيق الصبور، يصرخ إلى الأبد دون صوت.



© 2025–2026 Basement X. All Rights Reserved. Legal Notice

Comments

Ad-Banner

Popular posts from this blog

THE ARDENT STAR: A Novel of Psychological Horror

اختفاء الرينجر بول فوجيت: الرجل الذي سار نحو العدم

النجم المتوهج: رواية رعب نفسي