أسطورة تيكي تيكي:
صوت نهايتك
كانت المحطة جرحاً في الظلام. محطة هانيدا الفرعية، في الساعة الثانية وسبعة عشر دقيقةً بعد منتصف الليل — شظيةٌ من الخرسانة والمصابيح الفلورية اللامبالية، مدفونةٌ بين حقول الأرز والهامش الأسود لنهرٍ لا اسم له على أي خريطةٍ درسها كينجي موري قط. فاته القطار الأخير. أدرك ذلك في اللحظة التي تلاشت فيها الأضواء الحمراء الخلفية داخل النفق وسكتت القضبان — ذلك الصمت الخاص الذي ليس سلاماً بل انعداماً، كما يبدو الغرف بعد أن يموت فيه أحدهم.
جلس على مقعد الرصيف وشدّ معطفه إليه بإحكام. كانت آلة البيع في الطرف البعيد من الرصيف تطنّ — طنيناً منخفضاً رطباً يبدو كأنه يتنفس. فوق القضبان، كان مصباحٌ وحيد يتومض في قفصه، يغمر الرصيف في إيقاع متقطع من الإضاءة والظل، الإضاءة والظل. تحقّق كينجي من هاتفه. لا إشارة. البطارية عند أحد عشر بالمئة.
حدّث نفسه أن لا شيء يستدعي القلق. قالها بالصوت الداخلي الحازم للرجل الذي طالما رفض الحكايات التحذيرية التي كانت جدته تروي — تلك الحكايات عن أطفال الأنهار والنساء بلا وجوه والأموات الجائعين. كان في السادسة والعشرين من عمره. كان مهندساً. الليل ليلٌ لا أكثر.
ثم سمعه.
تيكي. تيكي. تيكي.
جاء الصوت من الطرف البعيد للرصيف، من الفم المظلم حيث يبتلع النفق القضبان. لم يكن خطواتٍ. لم يكن صرير فأر أو طقطقة معدن يبرد. كان إيقاعاً مقصوداً، قرعاً رطباً على الخرسانة — صوت مفاصل أو مرافق تُجرّ بعزمٍ مروّع. تيكي. تيكي. تيكي. كل تكرارٍ أعلى من السابق بقليل.
نهض كينجي. لم يقرر النهوض؛ جسده ببساطة قام، كما يقف شعرٌ على قفا الرقبة، مطيعاً لشيءٍ أقدم من التفكير. حدّق في الظلام عند فم النفق فلم يرَ شيئاً. ثم تومض المصباح الفلوري فوقه — ومضةً واحدة طويلة غارقة — وحين عاد، كانت هناك.
على بعد عشرين متراً. ثم خمسة عشر. لم يكن الضوء لطيفاً بما يكفي ليُريه بوضوح، وكان قاسياً بما يكفي ليُريه ما يكفي.
كانت في يومٍ ما فتاةً شابة. وجهها لا يزال يحمل أثر تلك الصِّبا المنقضية — شاحبٌ بيضاوي، الشعر يتدلى في حبالٍ سوداء طويلة على الخدين الغائرين، والعينان واسعتان رطبتان مثبّتتان عليه بانتباهٍ مطلق لكائنٍ لا غرض له في الوجود سواه. ربما كانت جميلةً، بالطريقة التي تكون بها بعض الجروح جميلةً — في دقة ما أحدثته.
لكنها كانت تنتهي عند الخصر.
أسفل القفص الصدري لم يكن ثمة شيء. لا شيء سوى البنية الخام اللامعة لما تركه القطار — أفق خشن من الأنسجة والنتوءات، داكن ولامع في الضوء المتقطع. وعلى يديها — يديها البيضاوين الرفيعتين — كانت تتحرك. كانت تضغط راحتيها على الرصيف وتقذف نفسها للأمام، الجذع المقطوع يتأرجح بين ذراعيها بزخمٍ مستحيل فاحش. كانت سرعتها خاطئة. كانت سرعتها سرعة منطق الكوابيس، ذاك الذي يتضاعف دون حدود، أسرع-أسرع-أسرع — تيكي. تيكي. تيكي.
ركض كينجي.
ركض في الاتجاه الوحيد المتاح — بعيداً عن النفق، نحو بوابة الخروج غير المأهولة بالموظفين، نحو الدرجات المؤدية إلى الطريق. كانت أحذيته صلبة النعل تدق على الخرسانة كأجراس، تُعلن عن مكانه، كل خطوة إعلانٌ عن موقعه. خلفه لم يخفت الصوت. بل ازداد. تيكي. تيكي. تيكي. — إيقاعٌ لا ينوي التوقف، نجا من قطار، نجا من الموت ذاته، ولم يكن مهتماً بالتوقف من أجل رجلٍ خائف في معطفٍ رخيص.
وصل إلى البوابة. يداه ترتجفان بشدة لدرجة أنه لم يستطع الدوران في الدوّارة فقفز فوقها، مصطدماً بقصبته في القضيب المعدني، لا يشعر بشيء — ابتلع الألم بأكمله الأدرينالين الذي فاض في كل ممر من جسده. أصاب الدرجات جارياً. ثلاث درجات، أربع، وطفت الطريق الحصوية لتلقاه وكان عليها، يجري، نفسه يأتي في قطعٍ ممزقة، والهواء البارد لمنتصف ليل الحقول يصفعه كماء جليدي، حادٌ برائحة الطين والديزل والرعب المعدني الذي لا يصنعه الجسم إلا حين تسيطر عليه الجزء الأقدم من الدماغ — الجزء الذي يتذكر ما يعنيه أن تكون فريسة — سيطرةً مطلقة.
سمع الرصيف فوقه. تيكي. تيكي. تيكي. وصلت إلى الحافة. سمع سقوطها — ليس دكّة جسد بل الطقطقة الجراحية الحادة ليدين تلاقيان الأسفلت — ثم تغيّر الصوت، جاء من أسفل الآن، جاء من الطريق خلفه، تيكي. تيكي. تيكي، وكان أقرب مما يحق له أن يكون، أقرب مما تُفسّره ساقاه، أقرب مما تسمح به الفيزياء.
لم يلتفت. كل حكاية جدة رفضها بوصفها خرافةً تجمّعت في صدره وصرخت فيه بصوتٍ واحد: لا تلتفت، لا تعترف بوجودها، لا تمنحها ما تريده من وجهك.
ركض حتى ضاق مجال رؤيته. ركض حتى غدا الصوت الصوت الوحيد في العالم — تلك القرعة الرطبة المُلحّة — تيكي-تيكي-تيكي — إيقاع شيءٍ لم يكتمل، شيءٍ مات في منتصف جملة ولم يجد نقطة نهايته قط، شيءٍ يعتزم أن ينهي حيث أُنهي وهو لن يرتاح حتى يُحيل شاهده إلى نفس التناسق الأنيق المرعب.
وجدوه عند الفجر، على بعد ثلاثة كيلومترات من المحطة، جالساً بظهره مسنوداً إلى جدار تصريف خرساني. كان واعياً. كان يتنفس. كان يحدق في الطريق الخالي خلفه بتعبير من نظر داخل غرفة سيقضي بقية حياته في محاولة نسيانها.
لم يشرح أبداً ما رآه. لم يعد أبداً إلى محطة هانيدا. لم يجلس أبداً مرةً أخرى على مقعد رصيف بعد منتصف الليل.
وفي الليالي الهادئة، حين يهدأ العالم للحظة وجيزة، كان يسمعه — خافتاً، دون عتبة اليقين، منسوجاً في نسيج الصمت كخط صدع —
تيكي. تيكي. تيكي.
يقترب.
يقترب دائماً.

0 Comments