كوشيساكي أونا: الأسطورة التي أرعبت شوارع اليابان

 


انسكب الضباب فوق شوارع طوكيو كأنّه كائن يتنفّس، يزحف ببطء، دافئاً على نحوٍ غير طبيعي، يلتفّ حول الأزقّة الضيّقة كأصابعٍ تبحث عن شيءٍ ضائع. أضواء النيون الخافتة كانت تومض داخل الضباب مثل نجومٍ تحتضر، ألوانها تنزف في الهواء الكثيف. المدينة التي لا تنام عادةً بدت وكأنّ أحدهم وضع يده على فمها، يخنق ضجيجها، يخمد نبضها. حتى هدير السيارات البعيدة بدا وكأنه غرق في بحرٍ من الصمت.

كان كينجي يسير وحيداً، يضمّ حقيبته إلى صدره، محاولاً إقناع نفسه بأن القشعريرة التي تزحف على ظهره ليست سوى إرهاق. تأخّر في العمل كعادته. اجتماعات. مهام. أعذار لا تنتهي. لكن هذه الليلة كانت مختلفة. الهواء ساكن أكثر من اللازم. الظلال أعمق مما ينبغي. والضباب… كأنه جاء يبحث عنه هو تحديداً.

ارتطمت خطواته بالأرض بصدى غريب، كأن الشارع أجوف تحته.

انعطف عند الزاوية—وتجمّد.

كانت هناك امرأة تقف تحت مصباحٍ واهن، طويل القامة، ساكنة كتمثال، ترتدي معطفاً بيجياً طويلاً يتحرّك رغم غياب الريح. شعرها الأسود انساب على كتفيها كحبرٍ مسكوب. وعلى فمها… كمّامة جراحية بيضاء.

توقّف نفس كينجي. شيءٌ في وقفتها—استقامة مبالغ فيها، صلابة غير بشرية—جعل جلده يقشعر.

حاول أن يمرّ بجانبها دون أن ينظر إليها، لكنّها أمالت رأسها ببطء، كما لو أنّ خيطاً خفياً شدّه من فوق.

“عذراً…” قالت بصوتٍ خافت مكتوم خلف الكمّامة.
“هل أنا جميلة؟”

تجمّد كينجي. قلبه خفق بعنف. لقد سمع هذه الجملة من قبل—في قصص الطفولة، في همسات الليل، في أساطير اليابان التي يتداولها الأطفال بخوفٍ ومرح. لكن تلك مجرد حكايات… أليس كذلك؟

ابتسم ابتسامة مترددة. “نعم… أنتِ جميلة.”

وقفت المرأة بلا حركة لثوانٍ. ثم تقدّمت خطوة.

“حتى… هكذا؟”

رفعت يدها إلى الكمّامة.

هبط قلبه.

“لا… انتظري—”

سحبت الكمّامة.

كان فمها مشقوقاً من الأذن إلى الأذن، جرحاً هائلاً، غائراً، يلمع كأنه قُطع قبل لحظات. اللحم ممزّق، متعرّج، والابتسامة… ابتسامة لا يمكن أن ينحتها بشر.

تراجع كينجي وهو يختنق بصراخه.

مدّت المرأة يدها داخل معطفها.

لمع معدن.

مقصٌّ ضخم، صدئ، ملطّخ بلونٍ داكن، خرج من يدها الشاحبة.

خطت نحوه.

فركض.

ابتلعه الضباب فوراً. الشارع تمدّد أمامه كأنه يتغيّر، يتلوّى، يتحوّل إلى متاهة. المباني بدت كظلالٍ تتنفس. وكلما ركض، ازداد الضباب كثافة، كأنه يريد أن يبتلعه.

خلفه، دوّى صوت المقصّ:
طق… طق… طق…
يفتح ويغلق… يقترب.

“هل أنا جميلة؟” جاء صوتها مشوّهاً، كأنه يخرج من أعماق الضباب.

ركض حتى احترقت رئتاه، لكن الصوت ظلّ خلفه—هادئاً، ثابتاً، صبوراً.

اندفع إلى زقاق ضيّق، يحاول الاختباء. التصق بالجدار، يحبس أنفاسه، يحدّق في العتمة.

صمت.

للحظة، ظنّ أنه نجا.

ثم سمعها.

همسة… قرب أذنه مباشرة.

“حتى… هكذا؟”

استدار مذعوراً—ولا أحد.

تراجع خطوة، ثم تعثّر بشيء عند قدميه.

كمّامة جراحية.

دافئة.

شهق، وتراجع أكثر. الضباب أمامه بدأ يتشكّل… يتحوّل… يتكثّف إلى هيئة بشرية. ظلّ طويل. مألوف.

“لا…” همس.

الهيئة اتّضحت.

المعطف البيجي.
الشعر الأسود.
الابتسامة المشقوقة.

تقدّمت نحوه، رافعة المقصّ.

ركض مجدداً، لكن المدينة لم تعد مدينة. كل طريق أعاده إلى نفس الزقاق. كل زاوية أعادته إلى نفس المصباح. هاتفه بلا إشارة. صوته يختفي في الضباب. العالم يضيق… يلتف حوله… يخنقه.

شعر بها خلفه—لا تمشي، بل تنزلق. حضورها بارد، خانق. الهواء صار ثقيلاً. رؤيته تشوّشت.

سقط على ركبتيه.

المقصّ أغلق قرب أذنه.

“هل أنا جميلة؟”

لم يجب. لم يستطع.

الضباب ابتلع كل شيء.

في الصباح التالي، اختفى الضباب. الشمس أشرقت على شينجوكو كأن الليل لم يحمل شيئاً غير العادي. الناس عادوا إلى أعمالهم. الطلاب ضحكوا. السيارات ملأت الشوارع.

لكن قرب زقاقٍ صغير، كان هناك زرّ صغير من معطفٍ بيجي ملقى على الأرض.

وفي عمق الظلال، حيث لا يصل الضوء، تحرّك شيءٌ ببطء… بصبر… ينتظر عابراً وحيداً آخر.

ينتظر أن يسأل السؤال.

ينتظر الإجابة.

المدينة تنفّست… غير مدركة أن شيئاً في أعماقها قد استيقظ.

شيءٌ جائع.

شيءٌ يبتسم.

Post a Comment

0 Comments